دخول الأعضاء
الإسم: الكلمة السرية:

هل نسيت الكلمة السرية؟ اضغط هنا

Get 100MB Free Web Hosting at Jabry.com

السنة الاولى

أضف رد

موضوع جديد

طباعة
حجم الصفحة:
إذهب الى منتدى:
مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر
Mansouri
12:44 - 06/12/2010  

                                     الحداثة مغربيا !

                                     نظرات في كتاب :


                   
مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر- 

إبراهيم بورشاشن

 
للكتاب الذي أصدره الأستاذ محمد الشيخ والموسوم ب "مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر" طعم خاص يذكر المهتم بشأن الكتابة الفلسفية بما صنعه هؤلاء الرجال من فلاسفتنا المتأدبين عندما عمدوا إلى الأدب ليقربوا به ما اعتاص من دقيق العلم وجليل الفكر. ولا يملك المرء بعد أن يشرع في قراءة الكتاب إلا المتابعة وكأن الوازع الداخلي ناب عن القيمة العلمية التي يزخر بها الكتاب فأصبح المرء يبحث عن النهاية وكأنه أمام رواية مشوقة يتوق لمعرفة خاتمتها وليس بإزاء كتاب متخصص في الفلسفة يقدم لنا الحداثة بعيون مغربية؛ فقد جرد الأستاذ الشيخ من نفسه شخصية متخيلة أجرى على لسانها الاعتراضات التي تقام في وجه المفكرين الخمسة الذين اختارهم لمعالجة ما أسماه بـ" مسألة الحداثة" وحاول من خلال هذا الحوار أن يضع كثيرا من الأمور في إطارها الموضوعي حتى يتضح المشهد ويزول ما علق بالصورة من لبس، مفكرون بدأهم الباحث بالأستاذ العروي وأنهاهم بالأستاذ سبيلا مرورا بالأساتذة الخطيبي والجابري وطه عبد الرحمن.[/color] [align=right]فبأي معنى يمكن الحديث عن الحداثة بلسان مغربي؟-1-[align=justify]
لايملك المرء بعد أن ينتهى من قراءة الكتاب إلا أن يرتسم في ذهنه انطباع عام عن أهمية الأستاذ العروي في تشكيل الخطاب حول الحداثة في المغرب أو على الأقل ذلك ما يخيل للقارئ، خاصة أن أعمال العروي كلها إنما هي "فصول "من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة" (ص21) فمن الأستاذ الخطيبي إلى الأستاذ سبيلا نلمس حضورا قويا للعروي، فالأستاذ الجابري يعارض العروي في مسألة القطيعة مع التراث ويؤسس لموقف خاص، وقد أقام الباحث تقابلات بينهما تشي وكأن الجابري يؤسس موقفه على نقيض موقف العروي؛ فالعروي يعتبر التراث ميتا ومميتا والجابري يعتبر التراث "الكائن الحي الميت في نفس الوقت"، والعروي يقول بالقطيعة مع التراث والجابري يدعو إلى الانكباب على التراث وغربلته والعروي يدعو إلى التحرر من التراث والجابري يرى ضرورة التحرر بالتراث ومع التراث والعروي يرفع شعار "التأخر التاريخي" ويقابله الجابري برفع شعار "الاستقلال التاريخي" (صص116-117-). والأستاذ الخطيبي ينتقد موقف العروي ليؤسس لـ"نقده المزدوج"، فضلا عما يجمع بين الرجلين من أنهما يجمعان في شخص واحد بين سمة التفلسف وسمة ذام الفلسفة الرسمية وكذلك يفضلان أن ينسبا إلى غير الفلسفة فينسب العروي إلى "العلوم الاجتماعية" وينسب الخطيبي إلى الرغبة في الكتابة (ص79). لكن ما يفرق بينهما الكثير. والأستاذ طه عبد الرحمن ينتفض على هذا الخطاب الذي هول من شأن الحداثة وشيئها منتقدا من زعم "أن الحداثة تقتضي القطيعة مع ما قبلها، أي يعود صفحة بيضاء ، وهذا غير ممكن، ولذا يكون ذلك باطلا"، رادا بذلك على العروي (ص188). بل إن الأستاذ طه لايرى في الحداثة إلا قيمة محلية ضدا على موقف العروي الذي يرى الحداثة جاءتنا بقيم متاحة للبشرية جمعاء (ص189)، ويبقى موقف العروي حاضرا ظهرا وبطنا في خطاب طه عبد الرحمن الذي أصبح عند العروي يتبنى لغة حديثة في الترويج لموقف قديم (ص191). والأستاذ سبيلا يقر بأهمية العروي لديه "ويستثمر "فكره في الكثير من نصوصه ويحفظ من درسه على الأقل أفكارا ثلاثة : التأخر التاريخي، وضرورة العقلنة، ودور النخبة"، ليظل العروي هو المفكر الأقرب إلى روح محمد سبيلا [هامش ص246].. ويمكن للمرء أن يقرأ الكتاب من خلال جهة نظر تتساءل : بأي معنى ساهم الأستاذ العروي في تشكيل خطاب الحداثة في المغرب رغم أن المرء لايعدم ملاحظة أن خطاب الأستاذ العروي نفسه حول الحداثة ظل يتشكل من خلال السجال المستمر مع غيره من المفكرين المغاربة.-2-
الحديث عن الحداثة بعيون مغربية لايعني أن الإشكالات التي عرفها المغرب هي إشكالات خاصة أنهضت مفكرينا إلى القول في خطاب متميز للحداثة، فليس المغرب ببدعا عن الإشكالات التي يعج بها العالم الثالث على العموم، بل يعني كما انتبه إلى ذلك محمد الشيخ إلى أن المغاربة ...يستشكلون الفكر استشكالا ولا يكتفون بوصفه وصفا كما يصنع غيرهم(ص13). فالمفكرون المغاربة جمرات تحترق وهي تكتب في الموضوع وتشعر بلهيب كلماتها تحرق كل مرة سبحات الفكر وتهز كل مرة ثنايا الوجدان، فهناك التزام من المفكر المغربي بالموضوع الذي يتحدث فيه، وهو لايريد من خلال هذا الحديث أن يؤسس فقط لفكر بل ويروم أيضا أن يؤسس لقواعد للفعل، فضلا عن ذلك فالمفكر المغربي هو في حوار مزدوج مع الفكر العربي والفكر الغربي مما يرفع درجة "الاستشكال" لديه ويجله عما درج عليه الآخرون من "الاستوصاف".
فالأستاذ العروي الذي جعل متنه مؤسسا على مسألة الحداثة يكتب وكأنه يحمل رسالة ويبشر بدعوة، فالرجل مهموم بواقع "التأخر التاريخي" وقصده الأول هو التعريف بما ساهم في تقدم الغرب ليؤكد في قصده الثاني على ضرورة الانخراط في قيم الغرب والقطيعة التامة مع التراث ملتقيا بذلك مع موقف ليبرالي قوي كان قد عبر عنه طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر". وكتاباته تعج كثيرا بهذه الإشكالات، فهو مثلا عندما يلاحظ أننا "نقول ونكرر منذ عقود إن الفكر الذي ورثناه عن السلف ...يدور كله حول العقل" و"أننا نؤمن منذ قرون ونقول ...إن الموروث من ثقافتنا مبني على العقل إطلاقا" فإن العروي يستشكل هذا الأمر استشكالا فيتساءل عن أي عقل نتحدث؟ ويستفسر تثنية "لو حق هذا، فلماذا تخلفنا؟؟...ألا يكون العقل الذي نتصوره ونعتز به هو بالذات أصل الإحباط" (ص34-35)، فنظر العروي لمفهوم العقل هو نظر قائم على منهج المفارقة، بل إن كتابه الرئيس في الموضوع جعل له عنوانا ثانويا سماه - مقالة في المفارقات-، فقمة مفارقة العقل في الثقافة العربية الاسلامية هو قولنا إن ديننا دين عقل، لكن التأويل التراثي للعقل أعاقه عندما حصره بالمطلق وبالنظر ومنعه النسبية والعمل (ص38). بل إن العروي قد أنهج الفكر المغربي سبيلا غير معهودة له، مما يجلي قيمة المساهمة المغربية للعروي، وذلك حين ضمن عمله محاور ثلاثة : النظر في تناقضات المجتمع العربي، والنظر في تعامل الفكر العربي مع هذه التناقضات والتبرير العقلاني للمنهج المتخذ في هذا النظر (ص122) ليتين بذلك أن أس نظر العروي هو الاستشكال القائم على النظر في المفارقات والتناقضات.
والأستاذ الجابري حمل على عاتقه منذ عقود مهمة التبشير بالعقلانية ثم بالديموقراطية كسمتين للحداثة إذ لايمكن تحقيق حداثة بدون سلاح العقل وبدون تجاوز سلوك القدامى سلوك القطيع وعصا الراعي (ص135)، كل ذلك صنعه الجابري في إطار من الالتزام السياسي والتربوي الذي يروم ضربا من التغيير المجتمعي والفكري، فما أفلح قوم في تأسيس حداثة خاصة بهم ما لم يمارسوا العقلانية في تراثهم ولم يفضحوا أصول الاستبداد فيه. إن المشروع الفكري للجابري هو في "خدمة لمسألة الحداثة، وهي تمر عبر التأصيل للحداثة في ثقافتنا العربية، وهذا التأصيل يتم بتوسل تحديث التعامل مع التراث وتوسطه" (ص131-132).
والأستاذ الخطيبي مهموم بتحرير الشعوب المضطهدة وهو لايرى لها سبيلا لذلك إلا "فكر الاختلاف"، فهذا الفكر وحده الذي يسمح لها بالتغلب على كل نزوع غربي نحو المركزية والعالمية والهيمنة، فلا مخلص إلا بفكر "اختلاف لا يتحكم" واستراتيجية هذا الفكر هي "النقد المزدوج" (105) نقد التقليد ونقد الحداثة؛ نقد التقليد لبيان أن لا سبيل لطلب أصالة لا تكون سوى تكرار تقليدي، إذ الشأن في التراث أنه "سيال بدال" والشأن فينا أن نكون سيالين معه بدالين (ص92)، ومن هنا دعوة الخطيبي لاستعادة منسي التراث ومهمله ومتلاشيه (ص94)، ودعوته إلى "تحديث العوائد" (ص95). نقد الحداثة الغربية لأنها قائمة على ضرب من الميتافريقا تقوم على ثلاث مبادئ الوحدة والكل والتطابقية وكلاها توهم، في حين أن الحداثة الحقيقية هي التي تختمر في عداد المستقبل ولاتستكن في حساب الماضي (ص97) فالخطيبي مهموم بالغد وليس بالأمس؛ فالحداثة عنده منفتحة على المستقبل لا كامنة في ماضي الغرب ولابوادرها متضمنة في ماضينا. لابد أن نغاير الغرب كما أنه لابد أن نغاير ذواتنا، ذلك هو أساس فكر الخطيبي الحي المتوثب. 
والأستاذ طه عبد الرحمن شمعة تحترق لتوقد للآخرين، فلا يكتب الرجل للمتعة وإنما يكتب، كغيره من المفكرين المغاربة، لأن الكتابة عنده مسؤولية وأمانة، ومن هنا بروز الأشكلة في كتاباته، وقوله في الحداثة هو قول مستشكل، فمن الحداثة عنده ألا تقبل الحداثة وإلا صارت الحداثة تقليدا في حين أن الحداثة تجديد لا تقليد (ص155) والإشكال عند طه أنه لئن سلمنا أن للحداثة شرطين : التطبيق الداخلي والتجديد فإن "المشكل أن واقعنا لا يستوفي هذين الشرطين. فلا هو تطبيق داخلي لروح الحداثة ولا هو تطبيق مبدع فيها. واقعنا الحالي ليس تطبيقا لروح الحداثة وإنما هو تطبيق لتطبيق آخر لروح الحداثة، ولا يمكن أن نسمي ذلك واقعا حداثيا، أو حداثة، وإنما يمكن أن يوصف بشبه الحداثة أو مسخ للحداثة" (ص156). ومن هنا فسمات الحداثة ثلاث مبادئ: مبدأ الرشد القائم على فكرتي الاستقلال والإبداع ومبدأ النقد القائم على فكرتي التعقيل والتفصيل، ومبدأ الشمول للخروج من حال الخصوص إلى حال العموم. إن هذه السمات تبلور ما سماه الأستاذ ب"روح الحداثة" ولا يمكن لروح الحداثة أن يستمكن منها إلا من وطن نفسه على الإبداع في كل شيء (ص160). ويؤدي هذا الأمر إلى إجراء مفهوم الحداثة على آليات ثلاث؛ لكل أمة حداثتها (التنسيب)، هناك حداثات لاحداثة واحدة (التعديد) الحداثة أمر ممكن لاقدر منزل (التمكين). وقد عمل الأستاذ طه على نقد المبادئ التي تقوم عليها الحداثة الغربية مبادئ العقل، الذات، الحرية؛ وسيرا مع الطرح الإشكالي نجد أن طه يستشكل قول القائل "الحداثة حداثة عقل" بل إنه يستشكل العقل نفسه منتهيا من خلال تحليله إلى أن عقلانية الإسلام هي أسمى عقلانية ممكنة لأن فيها تديين العقل وتعقيل الدين (ص164-170). كما يستشكل طه مفهوم الفرد مُدخلا إلى مفهوم الذات التعددية والصيرورة والتفاعل، (ص170-172)، كما يستشكل قول من يقول إن الحداثة هي حرية؛ لأن الحداثة تسلطت على الإنسان باسم الحرية وتسلطت على الغير باسم الحرية فضلا عن تسلطها على الطبيعة الخارجية (ص172-173). يشرع طه عبد الرحمن أمام الحداثة باب التخليق فلا حداثة عنده إلا موصولة بالأخلاق، فلابد عنده من "تخليق الحداثة"، وهو ما يدافع عليه ويعتبر مساهمته الأساسية في النظر مغربيا إلى الحداثة [ص178-185]. 
تبدو المساهمة المغربية في قول الأستاذ محمد سبيلا مساهمة جلية، فهذا الرجل الذي لم يرد أن يخلط قوله في الحداثة بقول آخر حتى عرفت الحداثة به وعرف هو بالحداثة. فالأستاذ سبيلا وجد نفسه عندما وجد الإطار الفكري الذي يلم به شتات الأفكار والمذاهب والمدارس التي يعج بها عصرنا، وهذا الإطار هو الحداثة إذ أن سؤال الحداثة هو سؤال الأسئلة (ص204). وإن الأستاذ سبيلا ما فتئ يستشكل مفهوم الحداثة ويعتبره مفهوما ملتبسا يعسر تدقيق معناه وتطويق مدلوله، مما يجعله يشتمل على كثير من البلبلة والضبابية وهذا الأمر عائد عنده إلى ما أسماه ب"بانورامية مفهوم الحداثة" أي تعدديته التداولية وتعدديته الطوبوغرافية وتعدديته الخرائطية (ص215). وتعتبر مساهمة الأستاذ سبيلا في القول بالحداثة في إحداثه قولا بديعا فيها قام على مفهومين أساسيين ؛"صدمة الحداثة" و"مكر الحداثة"؛ فـ"عندما تصطدم الحداثة بمنظومة تقليدية فإنها تولد تمزقات وتخلق تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية ومؤسسية كبيرة وتخلق حالة فصام وجداني ومعرفي ووجودي معمم" (ص224) ويفصل الأستاذ سبيلا القول في هذا الوعي المنشرخ المنفصم المبتئس الذي يتأدى إليه الدخول الاستكراهي إلى مجتمعات هي من غير جنس مجتمعات الحداثة (ص225) لبيان هذا التمزق الحاد الذي نشعر به نحن أبناء مجتمعات العالم الثالث بين قصور التقليد وجاذبية الحداثة، هذا التمزق الذي يتحول إلى صراع، صراع يصفه الأستاذ سبيلا أنه صراع متعثر؛ مرة تنتصر الحداثة ومرة ينتصر التقليد ومرات ينتصر مكر التاريخ "حيث تلبس الحداثة لبوسا تقليديا ويتلبس التقليد لباسا حداثيا ويتشابك المنظر على المرء فلا يتبين أي العنصرين يحقق الظفر. ولكن مبدئيا للتاريخ اتجاه ومحددات وحتميات وأقدار إلى حد ما" (ص229). يمكر التقليد بأن يتلبس جزئيا بعض لبوس الحداثة ليتمكن من الاستمرار، وتمكر الحداثة بأن تتطور الحداثة في التقليد لتتمكن في أن تنفذ، ويمكر التاريخ بأن يلبس على التقليد فيحدثه ويلبس على الحداثة فيلينها _ص229).
- 3-
الحديث عن الحداثة عند المفكر المغربي موصولة بحديثه عن الآخر، فلا نكاد نجد موقفا مغربيا لايستند على مرجعية غربية تسنده وتقدم له الأساس الفلسفي. وتجدر الإشارة هنا أننا أبعد عن موقف كثير من الرواد الذين دشنوا الخطاب الفلسفي في الفكر العربي فنقلوا فلسفات غربية نقلا هو أقرب إلى التعريب كما نجد عند الأستاذ محمد عزيز الحبابي من المغرب والأساتذين عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود من مصر والأستاذ طيب تزيني من سوريا وغيرهم من أعلام اكتفوا في فترات من حياتهم العلمية بنقل الفلسفة الشخصانية أو الوجودية أو الوضعية المنطقية أو الماركسية، ففلاسفتنا الجدد يدخلون في حوار قوي مع الغرب أكبر ميزاته أنه حوار التفاعل، يكبر هذا التفاعل عند البعض ويقل عند البعض ويضعف عند البعض ولكنه حوار يترك البصمات على المشروع العلمي؛ فالأستاذ عبد الله العروي يتبنى منهج ماكس فيبر في تحديد المفاهيم رغم انتقاده له(ص22)، ويقر بأثر فكر هيغل عليه (ص45)، وبأثر ما يسميه بـ"ماركس النافع" الذي ألهم العروي مفهوم "الماركسية الموضوعية" التي تسمح بلم أجزاء الفكر الحداثي من اقتصاد ميل واجتماع كونت وفلسفة وليام جيمس، وأخلاق روسو ومنهجية كلود برنار، فالماركسية بهذا المعنى هي أحسن طريق لاستيعاب الحداثة عنده.(ص62)، والعروي لايخفي تلمذته لهؤلاء وغيرهم فهو يقول في تواضع كبير "إذا فكرت في الفلسفة وفي أسباب المعرفة أو في العلوم فإني أظل تلميذا وسأبقى تلميذا لأن هناك ملايين من الناس سيقوني إلى هذا الميدان ولهم إمكانات تفوق مئات مئات ما يمكن أن أحرز عليه" (ص80).
أما الخطيبي مأخوذ بدعاة الاختلاف من نيتشه إلى هيدجر إلى بلانشو إلى دريدا (ص101)، بل إن "شطحات الخطيبي الصوفية وإشراقاته الهايدجيرية " تجعل من المستحيل على القارئ فهمه إن هو لم يسبق له أن تمرس على قراءة نصوص هايدجر الفرنسي وبلانشو ودريدا.."(ص80). بل إن كتاب الخطيبي "الاسم العربي الجريح" الذي افتحص فيه الخطيبي نسيج الثقافة اليومية من خلال مفهوم الجسد صيغ على ضوء مستجد الجنيالوجيا (نيتشه)، والتحليل النفسي (فرويد)، والسيميولوجيا (بارت)، والحفريات (فوكو) والتفكيكيات (دريدا)، (ص88-89).
وكذلك الأستاذ الجابري يمتح من التحديد الذي حدده مارتان هايدجر لمفهوم التراث متفقا مع ما أسماه المفكر الألماني بـ"الحوار مع التراث"(ص124-125)، بل إنه قد اشتهر عن الأستاذ الجابري توظيفه لكثير من المفاهيم الغربية المنشأ في قراءته للتراث وهي المفاهيم التي استقاها من الابستملوجيا من التحليل النفسي من المتن الفوكوي وغير ذلك من الثقافة الفلسفية المعاصرة مما يخدم هدفه من توظيف التحليل التكويني والتحليل البنيوي في آن واحد.
لا يخرج الأستاذ طه عبد الرحمن عن هذا التقليد المغربي في توظيف الآخر في قراءة الذات، فهو مفتتن بفكر الفيلسوف الألماني هايدجر في اشتقاقاته اللغوية (ص149- 150)، محاك فكر دريدا في "أسبقية النطق على الرسم" وهي الإشكالية التي عرف بها هذا المفكر الفرنسي. كما استفاد الأستاذ طه من قانون دافيد هيوم القائل "لا وجوب من الوجود" (ص151 وص 182)، بل إنه استفاد من نيتشه في نقده للعقل (ص166و 167) واستفاد منه أيضا في إدارة الفكر البشري على القيم (ص181)، ويتميز الأستاذ طه بنفس جدالي قوي فهو جادل مفكرين قل من جادلهم من المفكرين العرب من أمثال هانس جوناس وكارل أوتو أبيل وهابرماس وماكس فيبر وأشعيا برلين وجون راولز وميخائيل فالتزر وصمويل هانتنغتون (ص155). 
أما الأستاذ محمد سبيلا فتشهد رحلاته الفكرية على أنه "مفكر رحالة" ويفضل السفر بين الأفكار فمن الاهتمام بالماركسية إلى العناية بالتحليل النفسي ومنه إلى البنيوية، والايديولوجيا إلى اهتمامه بالحداثة الذي صار كما يقول يستجمع روح وكافة اهتماماته الفكرية السابقة (ص203)، كما تعرف إجاباته عن "سؤال الأسئلة" استلهاما لمفكرين كثر من أمثال هايدجر الذي ينهل من تراثه الغني وفيبر وبودريار وشايغان (ص205-206)، وفرويد وفروم (ص223)، مستلهما مدرسة فرانكفورت في نقدها للعقل الأداتي (ص256). 
إن رجوع المفكر المغربي إلى الفكر الغربي هو في مجمله رجوع إشكالي لا رجوعا للنقل والتعريب ليس غير، وعمل كهذا يذكر المهتم بما صنع مفكرون لنا قدامى في تعاملهم مع تراث الغرب، قرأوا هذا التراث على ضوء إشكالاتهم المحلية وهمومهم الخاصة ذات البعد الكوني، ويكفي تصفح بعض الكتابات في هذا المجال وهي الكتابات التي يمكن اعتبارها تمثيلية في هذا المجال لرؤية أهمية هذا الصنيع، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال "تدبير المتوحد لابن باجه" و"حي بن يقظان" لابن طفيل، و"كتاب الحروف" للفارابي ... حقا إننا نعاني من غياب ترجمة الكتب الأصيلة في ثقافتنا الفلسفية المعاصرة وهو نقص كبير وثلمة واسعة لا يمكن سدها إلا بتجهيز مراكز مختصة بترجمة الأصول الفلسفية، ولكن ما يصنعه مفكرونا من الذين سبقوا يشي بنضج كبير في التعامل مع الفكر الغربي، نضج يبشر بمستقبل مشرق خاصة أن كثيرين من هؤلاء المفكرين يعتبرون الحداثة هي إبداع المستقبل... وهو ما يغرينا بختم هذا العمل بالتساؤل عن علاقة الحداثة بالتراث عند مفكرينا الخمسة على ضوء عمل محمد الشيخ . - 4-
علاقة الحداثة بالتراث علاقة إشكالية، بل لعلها أكثر العلاقات إشكالية في الفكر المغربي المعاصر، فمن داع إلى القطيعة مع التراث قطيعة كلية، إلى الداعي إلى البحث في الهامش فيه، إلى الداعي إلى وصل العلاقة بالتراث في ثقافته العالمة العقلانية على الخصوص، إلى الداعي إلى وصل العلاقة بالتراث في بعده الأخلاقي – الصوفي، إلى الداعي إلى وصل العلاقة بالتراث لإحداث ثورة فكرية من داخل التراث نفسه. يدعو الأستاذ العروي إلى الدخول إلى عالم الحداثة القائم على عصب مفاهيم ثلاثة العقل والفرد والحرية؛ فالشأن في السعادة أنها "تنطلق من الطبيعة، معتمدة على العقل في صالح الفرد لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية" (ص31)، والحداثة بهذا المعنى ما كان لها عند الأستاذ العروي أن توجد عند الأقدمين إذ "يستحيل أن نجد الآن عند الغزالي مفهوم الأدلوجة مكتملا... ولا عند ابن عربي مفهوم الحرية مكتملا، ولا عند الشاطبي مفهوم الدولة مكتملا، ولاعند ابن خلدون مفهوم التاريخ مكتملا، ولاعند ابن رشد مفهوم العقل مكتملا" (ص31-32)، ومن هنا دعوة الأستاذ العروي إلى القطيعة مع الماضي وذلك بنسيان ثقل الماضي والتخلص من أساطير العرب الثلاثة : تحجير اللغة وتقديس التراث وتمجيد الماضي (ص66).
أما الأستاذ الخطيبي فلا يدعو إلى القطيعة مع التراث وإنما يدعو إلى نقده، "فلكي نقطع الصلة نوعا من التراث يجب أن نعرفه جيدا كما يجب أن نكون قد أحببناه وتشبعنا به" فالخطيبي لا يتصور أي قطيعة دون نقد حقيقي للتراث (ص112)، يجب، عند الخطيبي، أن نعود إلى التراث لكن، لا العودة المشابهة له والمماثلة وإنما العودة عودة المغايرة والمخالفة والمباينة إلى الشيء نفسه المباين لنفسه، فلا وجود لأوبة إلى التراث مماثلة للأصل المفترض، ما ثمة سوى تحويلات للتراث نقدية وتجديدية. إنما الشأن في التراث أنه "سيال بدال"، والشأن فينا نحن أن نكون سيالين معه بدالين، ولا إمكان للثبات عليه أو الجمود. (ص92). والتراث عند الخطيبي هو تقليد، وكلنا ورثة التقليد الفاسد منه والحسن، وإذا كان الخطيبي يرفض الميتافريقا الإسلامية (ص103)، فإنه يعتبر التصوف تقليدا حسنا "لأنه يوجه حياة الفرد الداخلية نحو تعبير فكري وحسي معا عن الأمر الخارجي المطلق ..ثم إن التصوف تقنية تأمل.." فالتصوف أشغب على "اللاهوت"(ص93). وهو قد طرح المسألة الأساس؛ مسألة "الأمر القدسي، مسألة إقامة الشأن الإلهي في قلب بني البشر". ومن هنا يدعو الخطيبي إلى استعادة منسي التراث ومهمله ومتلاشيه: فكر الكينونة والمفازة وفكر الوجد الصوفي، وحدة الله والنص والعشق...فهذه الموضوعات التي صارت من مكبوتات التقليد المعاصر يلزم، عند الخطيبي، استعادتها اليوم وإحياؤها.(ص94). 
أما الأستاذ الجابري فهو يريد من الحداثة أن ترتفع بطريقة تعاملنا مع التراث إلى مستوى ما نسميه اليوم بالمعاصرة عسى أن يفيدنا مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي (ص133)، فطريق الحداثة عندنا تنطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها لتحريك التغيير من الداخل، فتصير الحداثة "حداثة المنهج" في اعتبار التراث و"حداثة الرؤية" في النظر إلى التراث، والقصد من ذلك عند الأستاذ الجابري تحرير تصورنا للتراث من البطانة الايديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه طابع المطلق والعام. لابد من إضفاء طابع النسبية والتاريخية على التراث وهو ما يشي بخصوصية الحداثة عندنا، فالحداثة حداثات تتعدد ومشروطة بظروفها، من هنا فحداثتنا تختلف عن حداثتهم (ص134-135). حداثتنا رهينة بالنظر العقلاني إلى التراث وفضح مظاهر الاستبداد فيه (ص135). ويبدو الإشكال في أوجه عند الأستاذ الجابري عندما يجأر بتمسكه بالخصوصية وفي نفس الوقت يتمسك بالعالمية دون أن يعين متى تنتهي الخصوصية وتبدأ العالمية عنده(ص137)، لكن الأستاذ الجابري يعتبر التراث نفسه تراثا عالميا مما يطرح السؤال كيف ننسب العالمية إلى التراث ونسلبها عن الحداثة؟ مما يجعل علاقة الحداثة بالتراث عند الأستاذ الجابري علاقة إشكالية.
عند الأستاذ طه عبد الرحمن الرجوع إلى التراث ضروري لكن الجمود على التراث عنده شيء مفروض، تبدو قمة الأشكلة عند الأستاذ طه في الاسم الذي يخلعه على التراث الذي يشتغل عليه؛ إنه "التراث الجديد" التراث الذي نبنيه بالاجتهاد، فلا تراث جديد إلا بالاجتهاد عند الأستاذ طه (ص187). لا يستبعد الأستاذ طه القطيعة مع التراث ولكن مع التراث الذي استنفد الامكانات الإبداعية وليس الانقطاع عن كل سابق ما فتئ يبدع (ص188) فالتراث شرط في وجود الذات وشرط في عطائها وما دام المسلم يحمل في صدره هم الذات فلابد أن يرجع إلى تراثه طالبا فيه ما يقوي به بنية هذه الهوية (ص190). لكن هذا الرجوع يجب أن يكون بطرائق في النظر تخالف ما ذهب إليه كل من الأستاذ الجابري في قراءة التراث وما ذهب إليه الأستاذ الخطيبي (صص192-194). 
يعترف الأستاذ سبيلا بأهمية التراث في كل نهضة، فالتراث يسكننا ويسكن مخيلتنا ولغتنا وهمومنا اليومية ووجداننا والعرب، عنده، أمة ذات عمق تاريخي وعمق تراثي مما جعل حضارتنا تنوء بثقل التراث مما حوله إلى عائق أمام حاضرها ومستقبلها، لكن هذا الأمر لا يدعو الأستاذ سبيلا إلى إدانة التراث كليا لأن في التراث عناصر إيجابية ومن هنا يلزمنا العمل على التراث لاستخراج مضامينه الايجابية التي يمكن أن تتحول إلى قوى فعالة في العصر. إن أهم سؤال يطرح في هذا المجال: "كيف نفعل هذا التراث، كيف نحييه، كيف ننقعه بدم يعطيه قدرة على تحريك التاريخ العربي الحديث"؟ (ص241)، "كيف يمكن أن نكسب الحداثة دون أن نخسر أنفسنا؟" وإذا كانت الحداثة هي دينامية داخلية تنبثق من صلب التراث الثقافي والديني وكانت كل نهضة تتطلب أولا ثورة فكرية من داخل الثقافة نفسها فلابد من أن ينبثق التحديث من داخل الثقافة نفسها، فالتراث شيء راسخ فينا لذلك لابد من محاورته وتجديده (ص248). وانطلاقا من هذا الأفق يعمل الأستاذ سبيلا على تأصيل الحداثة في فكرنا انطلاقا من محاورته لمفكرين مغاربة محدثين كانوا فقهاء وسفراء وقناصلة ورحالة المغرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وإلى النصف الأول من القرن العشرين: السليماني والكردودي والحجوي والعربي العلوي وعبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي وبلحسن الوزاني وغيرهم ممن دعا إلى التحديث وراهن عليه مراهنة مبدئية (ص252).
]***[/color]
وأخيرا فإن الحديث عن الحداثة بلسان مغربي يشي بأهمية المساهمة المغربية في إشكال فلسفي اجتماعي تاريخي كبير أصبح يؤرق الكثيرين على المستوى الداخلي والخارجي وإن لم يعد كثيرا معنى للداخل والخارج في عالمنا المعاصر اليوم. وقد حاولنا أن نغرف من كتاب محمد الشيخ، الذي لم نلق شخصه، غرفات أبرزنا بها بما أتاحه الحيز بعضا من طبيعة هذه المساهمة النوعية في فكرنا العربي المعاصر، ولاشك أن العودة إلى هذا الكتاب ستجلي أكثر مما ظل خفيا أو غير واضح في طبيعة هذه المساهمة التي قدمناها هاهنا. وإن أغرى مقالنا القارئ بالعودة إلى الكتاب لمزيد فهم وفحص فسنعتبر أن ما قمنا به قد حقق هدفه المنشود.

Brahim el Harram
20:00 - 06/12/2010  
مــــشكور أخ أحمد .. بارك الله فيك يحتوي النص على أفكار مهمة .. شكرا لك
Mansouri
11:51 - 06/13/2010  
بالصحة اخي ابارهيم
farahabdelilah
15:53 - 06/17/2010  
يهدف محمد سبيلا من خلال كتابه دفاعا عن العقل والحداثة إلى تعميق الفكر الحداثي المغربي المتمثل في العقل من أجل الوصول بالمجتمع المغربي إلى ما يسمى بروح الحداثة
  مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر
السنة الاولى

أضف رد

موضوع جديد

طباعة
حجم الصفحة:
إذهب الى منتدى: